013 - Islam is Aqidah and Identity and Personality PDF Print E-mail

الإسلام عقيدة وهوية وشخصية استخلافية حضارية

د. عبد الحميد أبو سليمان

كنت أوضحت- في الماضي ومازلت- في اقتراحي إلى الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ- يرحمه الله- أن عدم الرضا عن مناهج تعليم الدين في مدارسنا- في ذلك الوقت- لم يكن يتعلق بالوقت المخصص لدراسة الدين، ولا في المواضيع التي يتعرض لها، ولكن الاعتراض ينصب في جوهره على المادة المقدمة للطالب والكتب المنهجية المخصصة لدراستها والأساليب التربوية والتعليمية التي تؤدى بها، وبالتالي نوعية التأهيل العلمي والتربوي لمعلمي العقيدة والثقافة الدينية الاجتماعية وقصور أدائهم.

 

فمعظم الكتب المقررة لم تكتب بأسلوب تربوي موجه إلى التلاميذ والطلاب وفق طبيعة المراحل التي يمر بها نموهم الذهني والنفسي والوجداني، ولا تحقق الأهداف التربوية منها، كما أن الكثير من محتوياتها يتعلق بممارسات وإمكانات وعصور سالفة، وهي تعتمد معلومات فقهية قانونية جافة تمثل حصيلة معرفية قليلة الجدوى علمياً في حياة العامة، وفي الوقت نفسه- وهو الأهم- أنها عديمة الأثر التربوي الإيجابي في بناء الشخصية وتكوين العقلية وبناء الاقتناعات والسلوكيات؛ الأمر الذي يفسر في كثير من الوجوه الفصام بين المثال والواقع، والقول والفعل، في بناء الإنسان المسلم المعاصر.

ولعل المثال التالي يلقي بعض الضوء على طبيعة إشكال دراسة الدين في مدارس الأمة بشكل عام، وفي مدارسنا بشكل خاص؛ فطفلٌ أو طفلةٌ في المرحلة الابتدائية يدرس موضوع الزكاة، ويركز على استظهار تعريفاته الكلامية والفقهية والقانونية الجافة، وعلى عملياتٍ ونسبٍ حسابيةٍ في أنواع من الممتلكات والأنصبة الحيوانية والزراعية التي لا يسهل أن يستوعبها الطفل، ولا أن يفهم على الحقيقة دلالاتها، وتتعلق بألوان من الحياة الاجتماعية والاقتصادية السالفة، هذا اللون من التعليم ليس فقط قليل الفائدة والجدوى لدى هذا الطفل، ومآلها النسيان، وإذا اضطررته الحاجة إلى شيء منها، فمرد حاجته على كل الأحوال عند أهل الاختصاص، إلا أن الأخطر في هذا اللون من التعليم أن أضاع الفرصة التربوية السلوكية في تكوين الطفل، وأضاع فرصة غرس معاني التكافل والتعاون وسلوكيات المشاركة والتضحية وبذل النفس، وهي الغاية في هذه السن من مفهوم الزكاة، ومثل هذا التكوين النفسي الوجداني التربوي لا يكون باستظهار الكلاميات والقوانين الفقهية الجافة، ولا بترديد الكلمات والمصطلحات الفنية؛ ولكن بأساليب عملية وممارسات تربوية تناسب المراحل الذهنية والنفسية التي يمر بها التلاميذ والطلاب، وتشمل المواد المقروءة والمسموعة والمرئية، كما تشمل المشاهدات والممارسات الميدانية، وتتضمن البرامج العملية التطوعية، وتشجع على البذل والمشاركة الشخصية والمادية، عندها فقط وبمثل هذه الأساليب التربوية يحقق التعليم، وتحقق التربية، أهدافهما في البناء والتكوين المعرفي والنفسي والوجداني لأجيال المستقبل ورجال الغد وأمهات الغد.

العقيدة والثقافة الإسلامية هي الأساس الذي يبنى عليه التعليم والتربية، والقصور والتقصير فيهما يقوض البناء النفسي والوجداني والسلوكي لدى شباب الغد ورجاله، ويفسر حالة التمزق والسلبية التي تعاني منها الأمة في عصور الجمود والتقليد المتأخرة.

كان الاقتراح وما يزال هو إعادة النظر في مواد دراسة العقيدة والثقافة الإسلامية الاجتماعية وأساليبها التربوية، بما يحقق عملياً أهدافها التربوية في بناء الشخصية والهوية الاجتماعية الاستخلافية الإنسانية للمسلم؛ ليكون الراعي والرائد والشاهد والإمام.

وحتى يتحقق ذلك لابد لنا من إعادة النظر في هذه المناهج، وفي أسلوب تدريسها على ضوء الغاية والهدف منها في البناء العقدي والنفسي والوجداني للناشئ، على ضوء مراحل النمو التي يمر بها، والتي يجب أن تُبنى على المفاهيم التربوية في الحب والتشجيع والاقتناع والممارسة، ومن المهم في هذا الصدد الاستئناس والاهتداء بخصوصيات المنهج والخطاب النبوي للصغار والناشئة، وهو غير الخطاب القرآني للبالغين، وهذا الخطاب النبوي المبني على مفاهيم الحب والتشجيع التربوية، هو الذي جعل منه أباً وجداً ومربياً ناجحاً لم يضرب في حياته طفلاً قط.

إن طريقة التأثير الفعّالة في جُلِّ مراحل نمو الطفل هي مفاهيم الحب والرغبة والاقتناع والفهم، وليس الاستظهار والتخويف والإرهاب؛ لأن هذه الأساليب تدعو الطفل إلى السلبية والخنوع، وهي عكس صفات القوة والأمانة والعزة التي يجب أن يتحلى بها المؤمن حين يبلغ مبلغ الرجال، وتتصف بها المؤمنة حين تبلغ مبلغ النساء.

إن هذه الرهبة النفسية وهذه السلبية هي التي تفسر تخلف الأمة وقصور أدائها وانعدام روح الإقدام والإبداع فيها، ولابد لنا من القضاء على كل ما يسبب ذلك ويمكِّن له في نفوس أبنائنا، حتى لا ينتهي بهم الأمر إلى التخلف وقصور الأداء.

 

دور التعليم العالي في إصلاح التعليم وإحياء الحضارة الإسلامية:

وحتى يمكن أن يتم إصلاح مناهج التعليم وطرق تدريسه عملياً لابد من إعادة النظر في تدريس الدين والثقافة الإسلامية وعلوم التربية الإسلامية وإعداد مدرسي الدين والثقافة الإسلامية بشكل خاص ومثقفي الأمة بشكل عام، وعلى أسس منهجية سليمة تعتمد وحدة المعرفة الإلهية منها والإنسانية وتكاملها، وأن يصحب دراسة النصوص دراسةُ السنن وفهمُ الطبائع والأحوال الزمانية والمكانية في القضايا التي هي موضع الدراسة، أياً كان موضوعها، وعلينا البحث والنظر في كل وجوه الحياة والاختصاصات في القانون، وفي التربية، وفي السياسة، وفي الاقتصاد، وفي النفس، وفي الاجتماع، وسواها من قضايا الحياة والممارسات الإنسانية، وحتى يتوافر للأمة بهذا المنهج الإسلامي المتكامل السليم (إسلامية المعرفة) علماء وخبراء ومثقفون وعاملون في مختلف جوانب الحياة، وعلى الأخص مجال العقيدة والثقافة الإسلامية، الذين يتعاملون مع واقع حياة الأمة، ويقومون على تسيير مرافقها وتربية أجيالها على أساس من وحي ضميرها، ويكونون على معرفة بمكامن الطاقة والوجدان فيها.

لم تكن دهشتي هينة حين تبينتُ في لقاء مع أساتذة قسم من أقسام التربية في إحدى الجامعات الإسلامية أنه لم يكن بين العدد الوفير الذين يدرِّسون المناهج المختلفة المتعلقة بالثقافة الإسلامية غير واحد فقط تضمنت دراسته دراسة منهجية في علوم النفس ونمو الطفل، وهذا الأمر جعلني أوجب على إثره ألا يتصدى لتدريس الثقافة الإسلامية والتربية الإسلامية من ليست لديه ثقافة ومعرفة تربوية نفسية، وأن يُستكمل أداء أولئك المعلمين في برنامج خاص بذلك المجال.

كما أنشأت الجامعة دبلوماً في الدراسات الإسلامية يؤمُّه كل مدرس بالجامعة تنقصه الدراسة المنهجية في الدراسات الإسلامية، ودبلوماً في الدراسات الاجتماعية يؤمُّه كل مدرس للعلوم الإسلامية تنقصه الدراسة المنهجية في العلوم الاجتماعية.

فإصلاح مناهج وأساليب تدريس التربية الإسلامية للتلاميذ يوجب إعداد المعلم الإعداد المناسب حتى يمكن للمنهج أن يؤدى بالشكل الصحيح المطلوب، وأن يؤدي الغاية المرجوة منه.

إن الاكتفاء بإعادة كتابة الكتب المدرسية بأسلوب أبلغ، أو بكلمات أيسر، لن يؤدي وحده إلى تحقيق الغاية المرجوة من إعادة بناء الإنسان المسلم القادر على الأداء الفعال، وحمل رسالة الإسلام، والقيام بواجبات المستخلف الراعي والمشاهد الإمام.

يجب أن يأتي الإصلاح شاملاً، وأن يتعامل مع كافة جوانب الأداء، وأن يكون المقياس هو تحقق النتائج المرجوة من الأداء التربوي التعليمي الإسلامي؛ بحيث يصبح محبباً مؤثراً وفعالاً في تشكيل الشخصية الإسلامية وبنائها.

لذلك فإن إصلاح مناهج التربية والتعليم الديني لابد أن يمتد إلى ما وراء المناهج والكتب المدرسية، ليصل الإصلاح إلى المناهج والكتب وأساليب إعداد الكوادر الثقافية والعلمية في مجال الدراسات الإسلامية والاجتماعية، واستعادة وحدة المعرفة وشمولية مناهج البحث العلمي فيها، حتى يتوافر المناخ العلمي والأكاديمي الذي يؤدي إلى إعداد (الكوادر) في كل مجالات العلوم والمعارف، بما في ذلك - وعلى الأخص - مجالُ العلوم التربوية والمعلمون القادرون على العمل المنتج الفعَّال في إعادة بناء الشخصية والهوية للإنسان المسلم القوي الأمين.

أرجو أن يأتي أمر إصلاح التعليم وترقيته والعناية الخاصة بالدراسات العقيدية والاجتماعية وحسن أدائها وسلامة منطلقاتها التي تحقق القوة والأمانة، في مقدمة الجهود المبذولة، وذلك ديدن الأمم الحية الراقية المؤهلة لحمل الرسالات وأمانة الاستخلاف "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم" النور:55.

كذلك أرجو أن يتم التقييم والتقويم من قبل المسؤولين عن التربية والتعليم في هذا الوقت بوعي جهود قوى القهر والتسلط والغزو الثقافي ومخططاتهم، ومعرفة أهدافهم في حرب الإسلام والمسلمين، ومنعهم من تحقيق أهدافهم العدوانية في بلاد المسلمين ومقدراتهم ومقدساتهم، وليصب التقييم والتقويم في وعاء إصلاح شؤون الأمة واستعادة طاقتها، وإعزازها وحسن تأهيلها، لتكون شريكاً حضارياً قادراً على حمل رسالة الإسلام رحمة وهداية للعالمين، لا أن يأتي التقييم والتقويم لمزيد من تخلف مناهج تربية وتعليم أبنائنا وغربتها وانحطاط مستوياتها؛ مما يخدم أعداء الأمة والدين ويصب في وعائهم.